الدائرة
هو ألان تعدى مرحلة النسيان ووصل إلى مرحلة تجاوز المحنة. اخذ يفكر في ما زجه في تلك المحاولة العاطفية العنيفة، التي امتدت لسنوات مع ذات البعد الباهي.
لأول مرة بعد مرور أربعة سنوات من أخر لقاء بينهما تحركت في داخله وحركت الأحاسيس التي كان يستلذ بها عندما يكون معها ويتمنى أن لاتفارقه حتى تغوص في كل داخله وتغازل كل خلية من جسمه وتتعمق داخل روحه وتستقر في أخر نقاط الارتباط المعنوية والروحية التي كانت تجمع بينهما.
مرت بخاطره كل اللقاءات، استرخى في جلسته وأغمض عينيه عليها بعد أن اكتملت في داخله، خرجت إليه بعالمها الساحر وازدادت سحرا عندما حلق معها متجاوزين المكان والزمان واسترجع معها بلغة الحب تاريخ العالم الساحر واستمتع باستقرار. كانت فيه كما هو فيها كان يستمع لأعزب السيمفونيات الموسيقية عندما تترنم بهمس أسفل أذنيه، وكان يحلق في السماوات الخالدة التي تتكون عندما تتبسم وينكسر شعاع الشمس أمامها، ويتواري القمر من الخجل.
هو الذي زجه في تلك المحاولة العاطفية، هو الذي قاده إلى ذلك الطريق الوردي اللامتناهي الممتع مع امتداد كل اللقاءات الوردية مع ذات السحر الروحي، في اشد لحظات الصفاء الحالمة كان ينام على حجرها ويشعر بالدف والراحة ويغرد كما الطبيعة بحديث الموسيقى الساحرة. تخطيا مرحلة الكلام العادية بتحريك الشفتين ومخارج الحروف وانطلاق الموجات الصوتية في شكل ذبذبات إلى المستمع وما يصاحب ذلك من فعل ورد فعل للمتحدث والمستمع وضياع للزمن في الإرسال والتلقي وتحريك للسكون الطبيعي من حولهم. أنهم ألان فوق الطبيعة الحركية، لهم عالمهم الخاص تعاونا معا في بنايه وتعاهدا على حمايته بصمت. كانا يتكلمان بصمت ويعشقان بصمت، وبالصمت كانت تحرك فيه كل شي جميل ممتع، وبأنوثتها وشاعريتها كانت تبني له عالم وعوالم رائعة.
نظر إلى الأفق بعينين امتلأتا بالدموع لكنه لم يبكي، وبذلك الحاجز الشفاف من دموعه المحبوسة في الخلف، نظر إليها، وقاده قلبه إلى ذلك السر وتجاوز كل الاحتمالات، ألان عرفها بعمق، ترقرقت دموعه واندفعت تجري أمامه مشكلة دوائر مغلقة وهو خارج الدائرة. يكفيه ألان الاستمتاع بالتماس.
-انتهت-
الجدارية
انتابه إحساس غريب في تلك اللحظة، وهو جالس في ذلك الركن المحبب إليه في غرفته التي كانت تمتد أمامه، متمرده، بجدرانها المعتقة التي كانت تحتضن السكون, وتمنحه الخدر اللذيذ. وبرائحتها المكتومة المتراكمة على حافة الزمن. وسقفها الذي يحمل تلك التشققات التي دائما ما كان يرسم بخياله منها صورا وأشكالا يعيش وسطها, ويحكي لها ويحاورها بكل ود ولطافة وندية.
كم من الحكايات سطر حروفها ورتبها ثم أطلقها وتطايرت مع دخان السيجارة، وارتفعت نحو السقف ومع حركة المروحة الدائرية اللامتناهية, كانت الحروف, والكلمات تدور وتتلاطم وتتلاقح وتختفي وتظهر وترتفع وتنخفض، وتغازل الحروف النائمة في كتبه المتراصة في ركن الغرفة، وعلى السرير وتحته وفوق النافذة وتلك المبعثرة وسط الغرفة.
وفي عملية الاسترجاع التي اختلط بها المحسوس بالا محسوس، وخياله بوعيه كانت الكلمات تتساقط عليه من السقف كأنه في نقاش صاخب يقف فيه عند فكرته وما يعتقده ويدافع عنه بكل قوة وحدة. وبالرغم من ذلك كان يقبل الأخر بآرائه وأفكاره. ويستفيد من كل لحظة يعيشها في الخارج مع اصدقائة وأعدائه، وفي غرفته مع كتبه وخيالاته.
جال بنظره على الغرفة فكر في إعادة ترتيبها، وتنظيمها فالكتب مبعثرة في كل مكان والجدران احتشدت فيها زحمة الألوان الطبيعية بفعل عوامل التعرية، وخلطت عبقرية الزمان والمكان في عملية فنية راقية. وتغير لونها الأبيض إلى عدة ألوان متشابكة ومتعانقة، مشكلة أمامه لوحة جداريه بزواياها الأربعة. الشي الذي جعله يفكر بان يفتتح بها معرض للجداريات يعرض فيها لوحاته الكونية، بعد أن يوقع اسمه تحت كل لوحة يتخيلها أمامه، محددا لكل لوحة إطارها وبعدها الحقيقي بدلا عن تلك الأبعاد المتزاحمة في عقله الباطن. ويشرح لزواره فكرة ومعنى كل لوحة، يحكي لهم عن حياته وعن تجاربه ومعاركه وأمنياته.
والسقف ممتد إلى الأسفل كان ينظر إليه من خلف التشققات، التي تراكمت عليه بعامل الزمن، كان ينظر إليه بشفقة وبمودة، وزهو وفرحة وحب، إحساس مختلط لكل منهما تجاه الأخر.
لابد من ترتيب الغرفة ونظافتها فهو بالرغم من كسله الشديد، كان لا يحب الرتابة والحياة الدائرية المملة، يعشق التجديد. لكنه داخل الغرفة كان يستكين إلى ذلك الخدر اللذيذ المنبعث من لوحاته الجدارية الممتدة أمامه من الجهات الأربعة. كان دخان السيجارة يمتد أمامه ويرتفع وينخفض، مشكلا بعد معينا حسب قوة النفس الساحب والدافع لها منه، كان الدخان يندفع ويخرج من فمه ومن فتحتي الأنف ويملا كل أركان الغرفة بنسيجه العذب. ورائحته المخدرة لغير المدخنين. مشكلا مع انكسار الضوء المنعكس من تلك الفتحات التي على النافذة وتلك الثقوب الدقيقة من على السقف. خطوطا مستقيمة متشابكة في اغلب الأحيان ومتوازية في مرات قليلة، وهو جالس في مكانه كان يتخيل حياته وسط تلك الخطوط المتشابكة التي صنعها بنفسه من دخان السيجارة المندفع من جوفه. وكلما حاول الإفلات من هذه الشبكة يلسعه احد الخطوط ويعيده إلى نقطة التشابك في الوسط، وهذا الإحساس ظل يلازمه لفترة طويلة، وربما اختياره لهذا الركن من الغرفة كان بدافع من ذلك الإحساس الخفي تجاه انعكاسات الضوء المتشابكة ومحاولة للهرب منه. كان يري في تلك الخطوط المستقيمة المتوازنة لانعكاسات الضوء قمة التفاهم والتقارب الوجداني لعشيقين يسيران وأيديهما متشابكة في الوسط ومشكلة لهم الخطوط المتوازية على الجانبين جدار حماية من زحمة تقاطع الخطوط الأخرى وتشابكها.
-انتهت-
حتى تثبت الادانة
الى روح الشهيد .......
حاول أن يتذكر ماذا فعل وما هي الجريمة التي ارتكبها؟ فهو ألان متهم ومذنب ومدان ومجرم. وهو لايدري ماذا فعل؟َ!! (المتهم بري حتى تثبت إدانته) كانت تلك الإشارة القانونية الوحيدة التي كان يعرفها وبدا يفقد الثقة فيها. لم يسبق له إن وقف مثل هذا الموقف من قبل. فهو يحترم الجميع، لم يتسبب في إيذاء أي شخص، حتى أعدائه، لماذا هذه المحكمة التي عقدت خصيصا لمحاكمته؟ والتي لم توجه أي تهمة بل سألته مباشرة... مذنب أم غير مذنب.
لم تكن المحكمة مفاجأة بالنسبة إليه بقدر ما فاجأه سؤالها. فهو إذن في نظر المحكمة مذنب بالرغم من انه لم يرتكب أي شي يخل بالقانون.
لم يسمع بمحكمة اتهمت متهما من غير أن توجه إليه التهمة نفسها!! (قوتنبرج) احترمت مجرمي الحرب وسمحت لهم بالدفاع عن أنفسهم وفيهم من اخذ البراءة. هو مشاهد جيد لبرنامج (أشهر محاكمات القرن العشرين) الذي يبث عبر الفضائيات، لم يشاهد متهم وقف مثل الموقف الذي هو فيه ألان. تمنى لو انه كان يحمل معه كتاب كليلة ودمنة ليعرضه على هيئة المحكمة فربما براءته، أو على الأقل وجهت إليه تهمة معينة ليتمكن من الدفاع عن نفسه أو يساوره إحساس بأنه أخطا وألان ينال عقابه من قبل هيئة المحكمة وحتى إذا ما أدانته فان ثقته في الإشارة القانونية (المتهم بري حتى تثبت إدانته) لن تتغير أو تهتز.
تشتت أفكاره أمام هيئة المحكمة فهو ما بين مندهش من موقفه وموقف المحكمة تجاهه. لم يدري ماذا يفعل يبكي أم يضحك. لكنه كان اقرب إلى الضحك فالموقف بالنسبة له جد مضحك داخل تلك الغرفة المغلقة ذات اللون الرمادي والستائر السوداء. كان واقفا وأمامه هيئة المحكمة جالسة كأنهم يؤدون أدوارا درامية. لكنه هو الوحيد الذي كان يؤدي دوره بصدق.
وبين محاولته في أن يتذكر ماذا فعل وسبب وقوفه أمام المحكمة. بلغ به الجهد في محاولة أن يتذكر ماذا فعل لم يستطيع. انه كان يحترم رجل المرور وإشارات المرور جدا، حتى في حالة انقطاع التيار الكهربائي بالرغم من انه كان من الراجلين وليس من الراكبين.
كان مستمع جيد لجده عندما كان يحكي له عن حكم (قراقوش) لم يكن يتخيل بان شي مثل ذلك قد حدث فعلا لكنه ألان اقتنع تمام بسبب اللاشي الذي ارتكبه وجنا عليه ويقف ألان بسببه أمام المحكمة. ما هو ذلك الشيء الذي اتهمته المحكمة به بل وأدانته بارتكابه.. لايدري؟؟
تذكر والدته التي كانت تغنى له (لا بتتلام ولا بتعرف تجيب اللوم) ووالده الذي ورث منه الرجولة المكتملة فقط. وهي تكفيه عن كنوز الدنيا، وأهل الحي ببساطتهم التي كانت تجعلهم شبكة مترابطة في كل شي. تذكر اللمة والفزع والنفير والحارة والدارة والقعدة في ضل الضحى. تذكر الشارع والشوارع والزقاق، تذكرها فهي معه دائما لم يفقدها مثل ما فقدها في تلك اللحظة كم تمنى لو كانت معه ليحكي لها عن كل شي، عن اللاشي الذي اتهموه به بالرغم من انه لا يعرف ذلك اللاشي لكنه كان سيحكي لها بصدق لأنه هو الوحيد الصادق في الدور الذي يؤديه ولأنه يحبها وهذا يكفي.
سال نفسه هل ستعرض محاكمته يوما ضمن برنامج (أشهر محاكمات القرن العشرين) الذي يبث عبر الفضائيات أم ستخصص له حلقة خاصة.
بعد أن فشل في أن يتذكر ما الذي فعله أو ما هي الجريمة التي ارتكبها، اخذ يتأمل في لون الغرفة الرمادي والستائر السوداء وحاول أن يربط بين اللونين لكنه فشل. وفي نفس اللحظة افتقد اللون الأبيض وتذكر وصيتها له ( أبقى يا ضل يا شموس ما تبقى رقراق).
قطع عليه حبل تفكيره سؤال هيئة المحكمة له.....
- لم ترد......... مذنب أم غير مذنب؟؟
- غير مذنب طبعا!!!
- الم تهدد الأمن القومي؟
- كيف!!!
- اسكت....... نحن نسال ونحن من نحكم....
ثلاثة خبطات على الطاولة.... تك تك تك....
بهذا حكمت المحكمة بطرد المتهم وعزله بعيدا إلى جزيرة (قيروسينا) ذلك لارتكابه جريمة ضد اللاشي.
وفي الوقت الذي كانت تغرب فيه الشمس عن (روريتانيا) كانت الشمس تشرق هناك في الأفق البعيد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق