مقدمة
ما زالت
منظمة الأمم المتحدة لرعاية الأمومة والطفولة "اليونيسيف" تحذَّر يوما
بعد يوم من تزايد ظاهرة عمالة الأطفال وسوء استغلالهم في مناطق كثيرة على المستوى
العالمي، خاصة في الدول النامية في قارتي آسيا وإفريقيا، بالإضافة إلى جهود منظمة
العمل الدولية التي لا تزال تقاوم هذه الظاهرة بشدة. ومشكلة استغلال الأطفال ظاهرة
مجتمعية وعالمية مؤرقة لأسباب تتمحور حول غياب الإجراءات القانونية لمكافحة تلك
المشكلة أو لعدم تفعيل ومراقبة القوانين القائمة وفق الاتفاقيات الدولية الحامية
لحقوق الأطفال ، أو للاختلافات حول القواعد أو القيم الأخلاقية والمهنية والدينية
، إلي جانب سوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع . و استغلال الأطفال
يتنوع بين كونه وسيلة وغاية في نفس الوقت لتكسب الأموال ، والإضرار بالثروات
البشرية لتلك المجتمعات التي يتم استغلال أطفالها، والاستغلال يتم بطرق شتي إما
إجباريا عن طريق الاختطاف ، أو طوعياً بالاستقطاب والتجنيد وكذلك بيع أحد الأبوين لأبنائه
في سبيل تحقيق أغراض معينة. تترك ظاهرة تشغيل الأطفال أثارا سلبية تنعكس على
المجتمع بشكل عام وعلى الأطفال بشكل خاص، ولقد أخذ هذا الاستغلال أشكالا عديدة
أهمها تشغيل الأطفال وتسخيرهم في أعمال غير مؤهلين جسديا ونفسانيا للقيام بها ،
علما أن العديد من الاتفاقيات الدولية قد جرمت بدورها الاستغلال الاقتصادي للأطفال
ومنها ( تعترف الدول الأطراف بحق الطفل في حمايته من الاستغلال الاقتصادي ومن أداء
أي عمل يرجح ان يكون مضراً أو ان يمثل إعاقة ليتعلم الطفل أو ان يكون ضارا بصحة
الطفل أو بنموه البدني أو العقلي أو الروحي أو المعنوي أو الاجتماعي (اتفاقية حقوق
الطفل –المادة 32-1 ).
في مصر: يبلغ مجموع سكان مصر حوالي 88 مليون نسمة من
بينهم 40% تقل أعمارهم عن 18 سنة. ويتركز أغلبية السكان في حوالي 5% من مساحة
البلاد. وتشكل الكثافة السكانية المرتفعة عبئا علي الخدمات العامة. كما أدت حركة
الهجرة الكثيفة ألي القاهرة والإسكندرية إلي التكدس الشديد في الحضر. وتقدر نسبة
الذين يعيشون تحت خط الفقر بحوالي 23% من السكان. كما تبلغ نسبة الأمية 45 % وتقدر
إحصاءات اليونيسيف معدل الالتحاق بالتعليم الابتدائي بنسبة 85%، كما تقدر نسبة
أصحاب الأعمار بين 5-14 سنة بحوالي 6% من مجموع الأطفال العاملين (3003 – 2008)،ويبلغ
سكان القاهرة حالياً وفق إحصاء 2012 ما يزيد عن 20مليون نسمة. وتشير عينة عشوائية
لدراسة أجرتها منظمة غير حكومية إلي أن متوسط أعمار أطفال الشوارع يبلغ 13 سنة.
وهناك تصور بأن 25% من أطفال الشوارع تقل أعمارهم عن 12 سنة. أفاد مسح أجراه
الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء عام 2000 بارتفاع معدل الأطفال العاملين حيث بلغ
86% بين الأسر ذات الدخل المنخفض ، كما أشار المسح ا الصحي إلى أن المستوى الاجتماعي
والاقتصادي للأسر التي لديها أبناء عاملين كان أدنى من مستوى الأسر التى لا يعمل
أبنائها. فضلا عن أن غياب التدخل الإيجابي من قبل الدولة للحد من الظاهرة أصبح أمرا
يطرح على جميع المهتمين بحقوق الأطفال مهمة عسيرة وكبيرة للتدخل من أجل تعديل كافة
القوانين المنظمة لعمالة الأطفال من أجل " تحسين على الأقل" ظروف عمل
هؤلاء الأطفال وخاصة بيئة العمل وشروط العمل مع غلق كل مصادر تسرب الأطفال لسوق
العمل للحد من الظاهرة. كما أن الحديث على واحدة من أخطر الظواهر التى تنتهك حقوق
الطفل المصرى على كافة المستويات الصحية والتعليمية والنفسية والبدنية
والعقلية...الخ وخاصة مع وجود بعض المؤشرات التى أوضحت "أن حجم عمالة الأطفال
من إجمالى قوة العمل بمصر عام 2000 قد وصل إلى 3.7%" "وأن حوالى 2.4
مليون طفل فى المرحلة العمرية من 6-12 سنه فى سوق العمل" وأن كل الأطفال فى
المدارس بالريف المصرى يعتبرون عمليا من العمال الموسمين فى فترة الحصاد بالإضافة
إلى باقى أطفال الريف الذين لم يلتحقوا بالمدارس أو تسربوا منها يعتبرون قوة العمل
الصغيرة من الفلاحين بريف مصر، وأن وضع الأسرة المصرية من الناحية الاقتصادية هو
بيت القصيد فى إرسال الطفل لسوق العمل بدلاً من المدرسة وهذا ما تؤكده معظم
الأبحاث فى هذا الموضوع. هذا تنشطت العديد من منظمات المجتمع المدنى المصرى فى
التشبيك مع هذه الظاهرة والتفاعل معها للعمل على الحد منها بمشاركة جميع المعنيين
بهذا المجال الهام من مجالات حقوق الطفل، ودراسة أوجه القصور فى القانون المحلى
مقارنة بالاتفاقية الدولية وخاصة مع إصدار قانون الطفل 12 لسنة 1996 والقانون 126
لسنة 2008 .
الحلول والمعالجات المقترحة:
إن ظاهرة عمالة الأطفال أصبحت الآن بمثابة قنبلة موقوتة
تهدد نسيج وكيان المجتمع، وللحد من هذه الظاهرة فإنه يجيب على الجهات المعنية
وبالأخص الإعلامية منها تنظيم حملة توعية وطنية شاملة بهدف تبصير المجتمع بمخاطر
وأضرار هذه الظاهرة التي تقود الأجيال الصاعدة إلى الضياع ونفس الكلام ينطبق أيضا
على منظمات المجتمع المدني التي يجب أن تشارك في توعية المجتمع بهذا الخصوص، وفي
هذا الخصوص نقترح الآتي:
(1) توسيع الحماية التشريعية للأطفال العاملين لتشمل
القطاعات الأكبر فى عمالة الأطفال سواء فى الريف أو كخدم فى المنازل أو عمالة
الأطفال لدى ذويهم، كمرحلة لتوفير حماية تأمينية لهؤلاء الأطفال والحد منها، لحين
الوصول إلى الهدف الإستراتيجي وهو القضاء على عمالة الأطفال بكافة صورها.
(2) على الجهات المعنية أن توفر مناخا مناسبا لنمو الطفل
وأن تتبنى سياسات وآليات لمكافحة الفقر من خلال إرساء دعائم الحكم السليم الذي يقوم
على الشفافية، ويجب على النظام السياسي الذي هو قائد المجتمع أن يقوم برعاية الأسر
وتوفير الدعم لها حتى تتمكن من تربية أطفالها على نحو سليم.
(3) أن يتحمل المجتمع جزءا من المسؤولية تجاه هذه
الظاهرة حيث إن المجتمع المسلم كما يقول مجتمع تضامن وتكافل يقوم على المودة
والرحمة وخصوصا فيما يتعلق برعاية الأطفال اليتامى الذين يمارسون العمل، والاستماع
إلى الأطفال العاملين وإشراكهم عند التخطيط للحد من الظاهرة، ورفع وعى المجتمع
تجاه مخاطر عمل الأطفال وتأثيرها على نمو الطفل، وإقرار حق الطفل العامل فى التمتع
بكافة صلاحيات وحقوق العضوية النقابية، توسيع المظلة التأمينية لتشمل جميع الأطفال
العاملين دون التقييد بالسن.
(4) يجب على
الحكومات أن تقوم بإنشاء وتأسيس وحدة لمكافحة الظاهرة.. وكذلك توسيع شبكات الضمان
الاجتماعي بحيث تشمل معظم الأسر الفقيرة التي تضطر إلى دفع أطفالها إلى أسواق
العمل لتوفير الدخل اللازم لها. علاوة على ذلك فإن من الواجب أيضا على الحكومات أن
تتبنى خطط وآليات لمكافحة الفقر وتحسين الوضع المعيشي والاقتصادي المتردي الذي
يعاني منه عامة الشعوب.. أضف إلى ذلك فإنه أصبح لزاما على الجهات ذات العلاقة أن
تقوم بتشجيع التعليم وخصوصا في صفوف الفتيات ووضع حلول ومعالجات لما يسمى بظاهرة
التسرب المدرسي.
(5) دمج أطفال
الشوارع في مشروعات تعليمية من خلال المشاركة وذلك بتوفير الخدمات الأساسية من
خلال برنامج خارج الجدران، وتدريب المهنيين، ومشاركة الأطفال، وتعليم النظير
للنظير، وتطوير العملية التعليمية ( مناهج – كثافة – تدريب المعلمين ...الخ ) للحد
من ظاهرة التسرب والتى تمثل أحد الأسباب الرئيسية وراء نمو الظاهرة، التوسع فى
التعليم المهنى وربطه بسوق العمل.
(6) إيجاد آليات قانونية لضمان حماية أطفال الشوارع من
العنف المؤسسي من خلال موائمة القوانين الوطنية للطفل مع المعايير الدنيا للأمم
المتحدة التي يجب توفرها في قضاء الأحداث، وتوفير المساعدة القانونية المجانية
للأطفال، وتدريب المسئولين القائمين على تنفيذ القانون.
(9) تقديم صورة مختلفة عن أطفال الشوارع لتغيير الصورة
السلبية السائدة عنهم في وسائل الإعلام، وذلك من خلال إيجاد مناظرات على المستوى
الوطني علاوة على عدد من الأنشطة الرياضية والفنية، والقصص الخاصة بنجاحات أطفال
الشوارع والأفلام الوثائقية.
(10) إيجاد قاعدة معلومات حول أطفال الشوارع، وخلق شبكة
عربية لدمج حماية حقوق أطفال الشوارع في خطط الحكومات العربية، وذلك من خلال
التعاون بين المنظمات غير الحكومية والمؤسسات الأكاديمية، والتنسيق مع كافة شبكات
الآمان الاجتماعي العربية، وتبادل المعلومات.
(11) تفعيل دور منظمات المجتمع المدني كشريك أساسى فى
عملية الرقابة على المؤسسات التى يعمل بها أطفال، وتنشطت منظمات المجتمع المدنى
العربية فى التشبيك مع بعضها البعض داخل كل دولة ومع الدول العربية مع بعضها
البعض، والتفاعل مع هذه الظاهرة للعمل على الحد منها بمشاركة جميع المعنيين بهذا
المجال الهام من مجالات حقوق الطفل، ودراسة أوجه القصور فى القوانين المحلية
والوطنية، مقارنة بالاتفاقية الدولية خاصة عند الشروع فى إصدار قانون العمل
الموحد.
(12) العمل على تغيير مفاهيم المجتمع العربي نحو هذه
الظاهرة بعد الوقوف على حجمها بإجراء المسوح والدراسات الشاملة لها من خلال
الخبراء المتخصصين فى دراسة ومتابعة هذه الظاهرة.
(13) التركز على
متابعة ورصد كافة الانتهاكات وخاصة بالنسبة لأطفال الورش والمصانع الصغيرة ومدى
التزام القائمون عليها بحقوق الطفل العامل، كما نصت عليها كافة المواثيق المحلية
والدولية، كما نشطت هذه المنظمات.
(13) خلق آليات فعالة لرصد الظاهرة والوقوف على حجم
الظاهرة الحقيقى وتضافرجهود للحد من عمالة الأطفال، بتوفير أجواء آمنة لهم وزج
عوائلهم في نظام شبكة الحماية الاجتماعية،وبتوفير إعانات شهرية تعيلهم، تنقذهم من
مخاطر الشارع، والاستعانة بالمنظمات العربية والعالمية، خاصة في المناطق النائية
التي تحتاج إلى متابعة وإصرار على تقديم العون.
الخاتمة
تعد ظاهرة
عمالة الأطفال واحدة من الظواهر المرتبطة ارتباطا وثيقا بالوضع الاقتصادي داخل أى
مجتمع من المجتمعات ، وعندما نرغب فى الحديث عن تفشى هذه الظاهرة فى العالم العربي
فإننا يجب أن نأخذ فى الاعتبار الحالة الاقتصادية والاجتماعية التى يمر بها
المجتمع العربى وكذلك العادات والتقاليد السائدة حول هذه الظاهرة بالإضافة إلى
انتشار بعض الصناعات والحرف التى تعتمد على الأطفال وتقدم حافزا لجذبهم إليها
وإهمال الأسرة نتيجة لأميتها فى تسجيل أبنائهم فى المدارس عند بلوغ سن الإلزام
الذى أصبح أيضا عبئا عليها.. وبذا يصبح عمل الأطفال مجرد مخالفة بسيطة وظاهرة
اجتماعية يمكن تقبلها !!! وتفيد التقارير والمسوح العالمية والقطرية بارتفاع معدل
الأطفال العاملين حيث بلغ أكثر من86% بين الأسر ذات الدخل المنخفض في بعض البلدان،
كما يشير المسح الصحي إلى أن المستوى الاجتماعي والاقتصادي للأسر التى لديها أبناء
عاملين كان أدنى من مستوى الأسر التى لا يعمل أبنائها. فضلا عن أن غياب التدخل الإيجابي
من قبل الدولة للحد من الظاهرة أصبح أمرا يطرح على جميع المهتمين بحقوق الأطفال
مهمة عسيرة وكبيرة للتدخل من أجل تعديل كافة القوانين المنظمة لعمالة الأطفال من
أجل " تحسين على الأقل" ظروف عمل هؤلاء الأطفال وخاصة بيئة العمل وشروط
العمل مع غلق كل مصادر تسرب الأطفال لسوق العمل للحد من الظاهرة. ومن هنا يجب
الوقوف بل دق كافة نواقيس الخطر نحو غياب الحماية لهؤلاء الأطفال سواء الحماية
النقابية أو التأمينية من أجل القضاء على عمالة الأطفال ومن أجل مستقبل أفضل
للأطفال.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق